محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فقرأته عامة قراء مكة والمدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة : اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ رفعا على الاستئناف ، وأن الخبر قد تناهى عند قوله : أَحْسَنَ الْخالِقِينَ وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ نصبا ، على الرد على قوله : وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ على أن ذلك كله كلام واحد . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، مع استفاضة القراءة بهما في القراء ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب . وتأويل الكلام : ذلك معبودكم أيها الناس الذي يستحق عليكم العبادة : ربكم الذي خلقكم ، ورب آبائكم الماضيين قبلكم ، لا الصنم الذي لا يخلق شيئا ، ولا يضر ولا ينفع . وقوله : فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ يقول : فكذب إلياس قومه ، فإنهم لمحضرون : يقول : فإنهم لمحضرون في عذاب الله فيشهدونه ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ في عذاب الله . إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يقول : فإنهم يحضرون في عذاب الله ، إلا عباد الله الذين أخلصهم من العذاب وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ يقول : وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين من الأمم بعده . القول في تأويل قوله تعالى : سلام على آل ياسين إنا . . . الْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : أمنة من الله لآل ياسين . واختلفت القراء في قراءة قوله : سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ فقرأته عامة قراء مكة والبصرة والكوفة : سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ بكسر الألف من إل ياسين ، فكان بعضهم يقول : هو اسم إلياس ، ويقول : إنه كان يسمى باسمين : إلياس ، وإل يا سين مثل إبراهيم ، وإبراهام ؛ يستشهد على ذلك أن ذلك كذلك بأن جميع ما في السورة من قوله : سَلامٌ فإنه سلام على النبي الذي ذكر دون آله ، فكذلك إل ياسين ، إنما هو سلام على إلياس دون آله . وكان بعض أهل العربية يقول : إلياس : اسم من أسماء العبرانية ، كقولهم : إسماعيل وإسحاق ، والألف واللام منه ، ويقول : لو جعلته عربيا من الإلس ، فتجعله إفعالا ، مثل الإخراج ، والإدخال أجري ؛ ويقول : قال : سلام على إل يا سين ، فتجعله بالنون ، والعجمي من الأسماء قد تفعل به هذا العرب ، تقول : ميكال وميكائيل وميكائين ، وهي في بني أسد تقول : هذا إسماعين قد جاء ، وسائر العرب باللام ؛ قال : وأنشدني بعض بني نمير لضب صاده : يقول رب السوق لما جينا * هذا ورب البيت إسرائينا قال : فهذا كقوله : إل ياسين ؛ قال : وإن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جمعا ، فتجعل أصحابه داخلين في اسمه ، كما تقول لقوم رئيسهم المهلب : قد جاءتكم المهالبة والمهلبون ، فيكون بمنزلة قولهم الأشعرين بالتخفيف ، والسعدين بالتخفيف وشبهه ، قال الشاعر : أنا ابن سعد سيد السعدين قال : وهو في الاثنين أن يضم أحدهما إلى صاحبه إذا كان أشهر منه اسما كقول الشاعر : جزاني الزهدمان جزاء سوء * وكنت المرء يجزى بالكرامة واسم أحدهما : زهدم ؛ وقال الآخر : جزى الله فيها الأعورين ذمامة * وفروة ثفر الثورة المتضاجم واسم أحدهما أعور . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة : " سلام على آل ياسين " بقطع آل من ياسين ، فكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى : سلام على آل محمد . وذكر عن بعض القراء أنه كان يقرأ قوله : وَإِنَّ إِلْياسَ